الغزالي

150

إحياء علوم الدين

إن اتصل به غرض مذموم صار مذموما ، كحب الصورة الجميلة لقضاء الشهوة حيث لا يحل قضاؤها ، وإن لم يتصل به عرض مذموم ، فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم ، إذ الحب إما محمود وإما مذموم ، وإما مباح لا يحمد ولا يذم القسم الثاني : أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته ، فيكون وسيلة إلى محبوب غيره ، والوسيلة إلى المحبوب محبوب ، وما يحب لغيره كان ذلك الغير هو المحبوب بالحقيقة ، ولكن الطريق إلى المحبوب محبوب . . ولذلك أحب الناس الذهب والفضة ، ولا غرض فيهما ، إذ لا يطعم ولا يلبس ، ولكنهما وسيلة إلى المحبوبات ، فمن الناس من يحب كما يحب الذهب والفضة من حيث إنه وسيلة إلى المقصود ، إذ يتوصل به إلى نيل جاه أو مال أو علم ، كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه بماله أو جاهه ، ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده ، وتمهيدهم أمره في قلبه فالمتوسل إليه إن كان مقصور الفائدة على الدنيا ، لم يكمن حبه من جملة الحب في الله . وإن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا ، ولكنه ليس يقصد به إلا الدنيا ، كحب التلميذ لأستاذه فهو أيضا خارج عن الحب لله . فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه ، فمحبوبه العلم ، فإذا كان لا يقصد العلم للتقرب إلى الله ، بل لينال به الجاه والمال والقبول عند الخلق ، فمحبوبه الجاه والقبول ، والعلم وسيلة إليه ، والأستاذ وسيلة إلى العلم ، فليس في شيء من ذلك حب لله ، إذ يتصور كل ذلك ممن لا يؤمن باللَّه تعالى أصلا ثم ينقسم هذا أيضا إلى مذموم ومباح ، فإن كان يقصد به التوصل إلى مقاصد مذمومة من قهر الأقران وحيازة أموال اليتامى وظلم الرعاة بولاية القضاء أو غيره ، كان الحب مذموما وإن كان يقصد به التوصل إلى مباح ، فهو مباح ، وإنما تكتسب الوسيلة الحكم والصفة من المقصد المتوصل إليه ، فإنها تابعة له غير قائمة بنفسها . القسم الثالث : أن يحبه لا لذاته ، بل لغيره . وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة . فهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه . وذلك كمن يحب أستاذه وشيخه ، لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ، ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة . فهذا من جملة المحيين في الله . وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ، ويرقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء . إذ قال